أسعد السحمراني
139
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
يجب أن تظهر وتغلب ، وأن تعتمد في إقرار العلاقات المختلفة » « 1 » . ويجب أن يكون بيّنا بأن اعتماد الصدق لا يجوز أن يكون موسميا أو ظرفيا ، أو مرتبطا بالحالة التي نكون فيها ، وإنما يجب أن يكون منهاجا يشمل النيّة والقول والعمل ، لأن من تعوّد الكذب في مسألة أو ظرف قد تفسد طويته فتنطبق عليه القاعدة التربوية التي أجملها المتنبي في شعره قائلا : « لكل امرئ من دهره ما تعوّدا » . وفي هذا الباب يدخل ما رواه البخاري : أنه خرج يطلب الحديث من رجل فرآه قد هربت فرسه ، وهو يشير إليها برداء كأن فيه شعيرا ، فجاءته فأخذها ، فقال له البخاري : أكان معك شعير ؟ قال الرجل : لا ، ولكن أوهمتها . فقال البخاري : لا آخذ ممن يكذب على البهائم . ويدخل في الباب نفسه أن خداع الأهل لابنهم الصغير فيه إثم ، وهو منهج تربوي خاطىء لأنه ينمّي عادة الكذب فيه . والكذب في الإسلام محظور حتى لو كان في المزاح والتهريج ، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف : « ويل للذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له ، ويل له » « 2 » . قد يحتج عليك أحد الناس قائلا : وما يضرّ أن تعطي من طرف اللسان حلاوة ، فالظروف صعبة ونحن نساير وقناعاتنا ثابتة ؟ . إنها حجة ساقطة لأن من رضي بالخداع أمام الحالات الصعبة سيستسهل ذلك في غيرها من الظروف ، وقد يعتاد الكذب . والمطلوب ممن لا يستطيع مواجهة الأمور بشجاعة وصدق حتى لو كان في موقع الهلاك أن يلتزم ما جاء في الحديث النبوي : « من آمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » « 3 » . فمن واجب المرء إما أن يصدق ويتحرّى الصدق حتى يعود ذلك بالنفع
--> ( 1 ) الغزالي ، محمد ، خلق المسلم ، القاهرة ، دار الكتب الحديثة ، ط 6 ، سنة 1382 ه - 1962 م ، ص 38 . ( 2 ) رواه أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك . ( 3 ) رواه البخاري ومسلم .